لماذا تنجح بعض المواهب في ألمانيا أكثر من إنجلترا؟

 

أصبح انتقال اللاعبين الشباب من إنجلترا إلى الدوري الألماني ظاهرة واضحة خلال السنوات الأخيرة، بعدما اختارت مواهب بريطانية عديدة مغادرة أكاديميات الأندية الإنجليزية بحثًا عن فرصة أكبر للمشاركة، ولذلك يطرح كثير من المتابعين سؤالًا مهمًا: لماذا تنجح بعض المواهب في ألمانيا أكثر من إنجلترا؟ رغم امتلاك الدوري الإنجليزي أفضل الإمكانات المالية وأكاديميات متطورة تضم مدربين ومنشآت على أعلى مستوى.

لا تعني هذه الظاهرة أن ألمانيا تتفوق دائمًا على إنجلترا في صناعة المواهب، فالدوري الإنجليزي يمتلك نظامًا قويًا لتطوير اللاعبين، وتوضح رابطة الدوري أن برنامج تطوير اللاعبين النخبة يهتم بالجوانب الفنية والبدنية والنفسية والتعليمية للاعبي الأكاديميات، لكن المشكلة الأساسية تبدأ غالبًا عند انتقال اللاعب من فرق الشباب إلى الفريق الأول، حيث يجد منافسة هائلة على دقائق المشاركة.

أما في ألمانيا، فتميل أندية عديدة إلى النظر إلى اللاعب الشاب باعتباره جزءًا من المشروع الرياضي والاقتصادي، وليس مجرد عنصر احتياطي، وقد ساعد هذا الأسلوب لاعبين مثل جادون سانشو وجود بيلينغهام وجيمي غيتنز على الحصول على فرص حقيقية، وتحويلهم من مواهب واعدة إلى أسماء معروفة في الكرة الأوروبية.

فرص المشاركة تفسر نجاح بعض المواهب في ألمانيا

يأتي الحصول على دقائق لعب منتظمة في مقدمة أسباب نجاح المواهب الشابة، فاللاعب في عمر 17 أو 18 أو 19 عامًا يحتاج إلى خوض مباريات حقيقية أمام جماهير وضغط ومنافسين محترفين، لأن التدريب مع الفريق الأول وحده لا يكفي لتطوير اتخاذ القرار والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة.

في الدوري الإنجليزي، تستطيع الأندية الكبرى التعاقد مع لاعبين جاهزين من مختلف أنحاء العالم وعندما ينافس لاعب شاب نجمًا دوليًا تم شراؤه مقابل مبلغ كبير، يصبح من الصعب على المدرب منحه فرصة طويلة، خصوصًا مع الضغط المستمر لتحقيق النتائج والتأهل إلى البطولات الأوروبية.

وقد يجلس اللاعب على مقاعد البدلاء أو يشارك في عدد محدود من مباريات الكأس، ثم ينتقل بين الإعارات دون الاستقرار في فريق واحد أما بعض أندية البوندسليغا، فتمنح اللاعب الشاب دورًا واضحًا منذ البداية، وتقبل بالأخطاء التي تصاحب عملية التطور.

وهذا لا يعني أن كل المواهب تحصل على دقائق كافية في ألمانيا. فقد أقرت رابطة الدوري الألماني نفسها بأن نقص وقت اللعب يمثل مشكلة لدى كثير من اللاعبين تحت 21 عامًا، وأطلقت مسابقة إضافية لهذه الفئة بداية من موسم 2026-2027 لمساعدة اللاعبين على الانتقال من كرة الشباب إلى المستوى الاحترافي.

بوروسيا دورتموند بوابة النجوم الشباب

يُعد بوروسيا دورتموند المثال الأشهر عند الحديث عن سبب نجاح بعض المواهب في ألمانيا أكثر من إنجلترا فقد بنى النادي سمعة قوية في اكتشاف اللاعبين الشباب ومنحهم فرصة المشاركة، ثم تطويرهم فنيًا وتسويقيًا.

انتقل جادون سانشو من أكاديمية مانشستر سيتي إلى دورتموند عام 2017، بعدما رأى أن فرصته في الفريق الأول ستكون محدودة وفي ألمانيا حصل على دقائق كثيرة، وسجل وصنع الأهداف، وتحول إلى لاعب دولي ونجم مطلوب من الأندية الكبرى.

كرر جود بيلينغهام التجربة عندما انتقل من برمنغهام سيتي إلى دورتموند وهو في سن صغيرة لم يعامله النادي باعتباره لاعبًا يحتاج إلى سنوات طويلة قبل المشاركة، بل أصبح عنصرًا أساسيًا، واكتسب خبرة في الدوري الألماني ودوري أبطال أوروبا، ثم انتقل إلى ريال مدريد بعد تتويجه بجائزة أفضل لاعب في البوندسليغا موسم 2022-2023.

كما سار جيمي غيتنز في طريق مشابه بعد انتقاله من مانشستر سيتي إلى دورتموند وتصف رابطة الدوري الألماني النادي بأنه منصة اعتادت منح المواهب الإنجليزية فرصة الظهور والتطور.

المنافسة المالية في الدوري الإنجليزي

تُعد القوة المالية للدوري الإنجليزي ميزة كبيرة، لكنها قد تتحول إلى عائق أمام بعض المواهب. فالأندية تستطيع شراء لاعبين دوليين جاهزين في كل مركز، كما تمتلك قوائم كبيرة تضم بدائل على مستوى مرتفع.

عندما يتراجع أداء الفريق، يكون الحل الأسرع غالبًا هو التعاقد مع لاعب جديد، وليس الانتظار حتى يتطور لاعب الأكاديمية كما أن قيمة الجوائز وحقوق البث تجعل كل مركز في جدول الدوري مهمًا ماليًا، وهو ما يقلل استعداد المدربين للمخاطرة بلاعب قليل الخبرة.

أما عدد كبير من أندية البوندسليغا فلا يستطيع منافسة أندية إنجلترا في قيمة الصفقات والرواتب، لذلك يصبح تطوير المواهب وسيلة ضرورية لبناء الفريق وتحقيق الأرباح من بيع اللاعبين مستقبلًا.

ويستفيد اللاعب الشاب من هذه الظروف، لأنه لا يُنظر إليه بوصفه حلًا مؤقتًا فقط، بل أصلًا رياضيًا يمكن أن ترتفع قيمته إذا حصل على المشاركة والتدريب المناسبين.

الثقافة الألمانية تمنح الشباب الثقة

تتمتع الكرة الألمانية بثقافة تقبل منح اللاعبين الصغار مسؤوليات مبكرة. وقد شهدت البوندسليغا ظهور لاعبين في سن 16 و17 عامًا، بينما أصبحت بعض الأندية معروفة باستعدادها لاستخدام المواهب في مباريات الدوري والبطولات الأوروبية.

وتفرض لوائح الدوري الألماني على أندية البوندسليغا والدرجة الثانية تشغيل أكاديميات خاصة بها، كما توجد قواعد تشجع على وجود لاعبين تم تطويرهم محليًا داخل القوائم وتقول رابطة الدوري إن قاعدة اللاعب المحلي تهدف إلى تعزيز الاستثمار طويل الأجل في تطوير الشباب.

كما يعتمد الاتحاد الألماني على شبكة تشمل مراكز تطوير المواهب ومدارس النخبة وبرامج إعداد المدربين والمنتخبات الإقليمية، بهدف اكتشاف اللاعبين وتطويرهم في مراحل مبكرة.

هذه الثقافة تجعل اللاعب الشاب يشعر بأن الطريق إلى الفريق الأول موجود بالفعل، وليس مجرد وعد تقدمه الأكاديمية أثناء التفاوض معه.

أسلوب اللعب في ألمانيا يساعد المواهب الهجومية

تتميز مباريات كثيرة في الدوري الألماني بالإيقاع السريع والضغط والتحولات الهجومية والمساحات المفتوحة ويوفر هذا الأسلوب بيئة مناسبة للأجنحة والمهاجمين ولاعبي الوسط الشباب، لأنهم يحصلون على فرص لإظهار السرعة والمراوغة وصناعة الأهداف.

وقد يستفيد اللاعب القادم من إنجلترا من انخفاض مستوى التدقيق الإعلامي في بدايته، فيلعب بحرية أكبر ويرتكب الأخطاء ويتعلم منها. وعندما يقدم مباراة ضعيفة، قد يستمر في التشكيل بدلًا من فقدان مكانه فورًا.

في المقابل، يتعرض اللاعب الشاب في الدوري الإنجليزي لمنافسة بدنية وتكتيكية قوية، إضافة إلى اهتمام إعلامي ضخم، وقد يتحول خطأ واحد إلى موضوع واسع في الصحافة ومنصات التواصل، ما يزيد الضغط النفسي على لاعب لا يزال في مرحلة التعلم.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن الدوري الألماني أسهل. فالمنافسة قوية، لكن البيئة قد تكون أكثر ملاءمة للاعب الذي يحتاج إلى وقت ومساحة لتطوير قدراته.

التخطيط لمسار اللاعب وليس مجرد التعاقد معه

تنجح بعض الأندية الألمانية لأنها تقدم للاعب خطة واضحة قبل التعاقد يعرف اللاعب عدد اللاعبين الموجودين في مركزه، والدور المتوقع منه، وطريقة تطويره، وفرص مشاركته مع الفريق الأول.

ولا تعتمد هذه الأندية دائمًا على إبقاء اللاعب لسنوات طويلة. فقد يكون الهدف تطويره خلال موسمين أو ثلاثة، ثم بيعه إلى نادي أكبر مقابل ربح مالي، ويستفيد الطرفان من هذا النموذج؛ يحصل اللاعب على المشاركة والخبرة، بينما يحقق النادي عائدًا رياضيًا وماليًا.

أما في بعض الأندية الإنجليزية، فقد تنضم الموهبة إلى أكاديمية تضم عشرات اللاعبين المميزين دون وجود طريق واضح، وبعد ذلك يدخل اللاعب في سلسلة من الإعارات، وقد يتغير مدرب الفريق أو المدير الرياضي فتتبدل الخطة بالكامل.

وتحاول رابطة الدوري الإنجليزي دعم انتقال اللاعبين بين مراحل الأكاديمية والاحتراف، كما تدير مسابقات تحت 21 عامًا وبرامج للرعاية والتعليم، لكن وجود النظام الجيد لا يضمن وحده فرصة المشاركة في الفريق الأول، لأن القرار النهائي يرتبط باحتياجات كل نادٍ ومدربه.

انخفاض الخوف من بيع النجوم الشباب

تقبل أندية ألمانية عديدة فكرة أن اللاعب الموهوب قد يرحل بعد تطوره ولا تعتبر انتقاله إلى نادي أكبر فشلًا للمشروع، بل دليلًا على نجاح عملية التطوير.

وقد استفاد دورتموند من تطوير لاعبين مثل سانشو وبيلينغهام وإيرلينغ هالاند، ثم بيعهم بقيم كبيرة، وتساعد هذه الأرباح النادي على التعاقد مع مواهب جديدة، لتستمر الدورة.

أما النادي الإنجليزي الكبير فقد لا يحتاج إلى بيع اللاعب لتحقيق الربح، لكنه في الوقت نفسه قد لا يستطيع ضمان مشاركته بسبب وجود نجوم أكثر خبرة، وهنا يختار بعض الشباب الانتقال إلى ألمانيا بدل الانتظار لسنوات.

هل كل موهبة تنتقل إلى ألمانيا تنجح؟

لا يضمن الانتقال إلى البوندسليغا النجاح. فقد يفشل اللاعب في التأقلم مع اللغة أو الثقافة أو طريقة التدريب، كما قد يتعرض للإصابة أو يجد منافسة أقوى مما توقع.

وتوضح الخطوات الألمانية الجديدة لإنشاء مسابقة تحت 21 عامًا أن الانتقال من الأكاديميات إلى الفريق الأول لا يزال تحديًا حتى داخل ألمانيا فقد كشفت بيانات رابطة الدوري أن عددًا كبيرًا من لاعبي تحت 22 عامًا لا يحصلون على دقائق كافية، وهو ما دفعها إلى البحث عن حلول جديدة.

كما نجحت المواهب في إنجلترا أيضًا، وخرجت أكاديميات الدوري الإنجليزي لاعبين أصبحوا نجومًا مع أنديتهم ومنتخب بلادهم لذلك لا تتعلق المقارنة بجودة التدريب فقط، بل بالفرصة المتاحة وتوقيت الانتقال واختيار النادي المناسب.

ماذا يحتاج اللاعب الشاب لاختيار الدوري المناسب؟

يجب ألا يختار اللاعب النادي بناءً على اسمه أو راتبه فقط، فالأهم هو معرفة فرص المشاركة، واستقرار الجهاز الفني، وعدد اللاعبين في مركزه، وطريقة لعب الفريق.

قد يكون الانتقال إلى نادٍ متوسط في ألمانيا أفضل من البقاء احتياطيًا في نادٍ إنجليزي كبير وفي حالات أخرى، قد تكون الإعارة إلى فريق إنجليزي في درجة أقل أكثر فائدة من الانتقال إلى الخارج.

كما يحتاج اللاعب إلى بيئة تساعده خارج الملعب، من خلال تعلم اللغة والحصول على دعم نفسي وتعليمي وتزداد أهمية هذه الجوانب عندما ينتقل اللاعب في عمر صغير بعيدًا عن أسرته.

وفي النهاية، تكشف الإجابة عن سؤال لماذا تنجح بعض المواهب في ألمانيا أكثر من إنجلترا؟ أن الفارق لا يرتبط بنقص جودة الأكاديميات الإنجليزية، بل بفرص اللعب وطبيعة المنافسة وخطط الأندية تمنح فرق ألمانية عديدة الشباب دقائق حقيقية ومسؤوليات مبكرة، وتتعامل مع تطويرهم باعتباره جزءًا أساسيًا من نموذجها الرياضي والاقتصادي أما في إنجلترا، فقد تجعل القوة المالية وكثرة النجوم وضغط النتائج الطريق إلى الفريق الأول أكثر صعوبة، مهما بلغت موهبة اللاعب.

إرسال تعليق

0 تعليقات